وقفة مع حديث .. إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة

لقد حدد النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه  حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ  التغيرات التي  تحدث  للجنين بعد اليوم الثاني والأربعين من بداية  طور النطفة , وهذا نص الحديث : ” إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها , وخلق سمعها وبصرها , وجلدها , ولحمها و عظامها , ثم قال يا رب أذكر أم أنثي؟ فيقضي ربك ما شاء , ويكتب الملك , ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده  فلا يزيد علي ما أمر ولا ينقص ” ( صحيح مسلم : كتاب القدر) , وهذا الحديث يصف أهمية اليوم الثاني والأربعين ,  فلقد أظهرت الدراسات الجنينية  أن  المظهر البشري  يكتسب خلال هذا الوقت  , و هذا يوافق تماما ما ذكره الحديث , فقبل اليوم الثاني والأربعين  يكون من الصعب التفريق من حيث المظهر بين  الجنين البشري  و العديد من أجنة الأجناس الأخرى كالدجاج  أو السمك أو الأرنب  , حيث لا يبدأ تميز الشكل البشري إلا بعد اليوم الثاني و الأربعين .

و يعتبر  الأسبوع السابع من النشأة ( بعد اليوم الثاني والأربعين)  علامة زمنية مميزة يحدث عندها  العديد من التغيرات  النهائية  في ملامح الحميل الداخلية والخارجية , فمع  بداية الأسبوع السابع ( حوالي اليوم الثاني والأربعين  تقريبا ) يتكون الهيكل العظمي الغضروفي في الجنين , ويؤدي ذلك إلي إعطاء الجنين الهيئة البشرية المميزة , فيصبح  جذع الجنين مستقيما , ويصبح  للجنين  رأس مستدير كبير الحجم نسبيا , وتتحرك العينان إلى مقدمة الوجه لتصل إلي موقعها المحدد  ويكتسب الوجه الشكل البشرى ( أي يتم تكوين الوجه) ,  كما يتراجع  برعم الذيل البارز( الجزء الأخير من العمود الفقري ) تاركا أثرا  لا يري إلا بصعوبة شديدة , وهذا الوصف يتطابق تماما مع وصف الحديث لما  يحدث للنطفة بعد 42 يوما حيث تتحول الي الشكل البشري والذي عبر عنه الحديث بكلمة صورها ..
نأتي بعد ذلك إلي جزئية الحديث , ” وخلق سمعها وبصرها ..” , نجد أن  الحديث  يعبر  فيما يخص السمع والبصر عن  نشأة  العيون و الآذان والتغيرات الأولية الضرورية لأداء وظائفها , ومن المعروف علميا أن العينين والأذنين  تستمر في اكتساب  صفاتهما المتقدمة بعد اليوم الثاني والأربعين :
العين : يمر الساق البصري بين العين والمخ  بتغيرات تؤدي إلي تكوين العصب البصري ما بين الأسبوع السادس و الثامن ,  وعند الأسبوع الحادي عشر و بالرغم من أن حجم العين يكون مثل حجم حبة الفول الصغيرة  , فإنها  تظهر صفات متقدمة كالقرنية  , وعند الشهر السابع تصبح الشبكية حساسة للضوء , ولكن لا يتم إدراك الأشكال و الألوان إلا بعد الولادة بفترة قصيرة …
الأذن : بنهاية الأسبوع السابع ( أو اليوم التاسع والأربعين ) تكون لفات قوقعة الأذن قد اكتملت في شكل يشبه إلي حد كبير الشكل في الشخص البالغ , و في ذلك الوقت أيضا يبدأ تكون عظيمات الأذن الداخلية في صورة غضاريف , كما يتكون صوان الأذن الخارجي من ثلاثة أزواج من الحديبات , ويفترض أن الجنين يمكنه سماع الأصوات  بعد الأسبوع الرابع والعشرين , و من ثم يتضح أن أجزاء الأذن الخارجية والوسطى والداخلية لا تتكون إلا بعد اليوم الثاني والأربعين  , و بعد ذلك تكتسب وظائفها وشكلها المميز , ولذلك تعتبر الفترة الزمنية ما بين الأسبوع السابع و الثامن مرحلة حرجة في نشأة أذن الجنين , ودل علي ذلك أن إصابة الأم بعدوي الحصبة خلال ذلك الوقت يسبب نمو معيب لعضو كورتي ( عضو السمع بالأذن الداخلية ) يؤدي إلي  قصور بالسمع
أو صمم …
كما يشير الحديث إلي أن تكوين الجلد واكتمال تكوينه لأداء وظائفه  يحدث   بعد اليوم  الثاني والأربعين , وعلميا يتضمن  تكوين الجلد  تميزه إلي طبقات و إلي غدد دهنية و عرقية وإلي الشعر  , كما يشمل تكوين الجلد  أيضا نشأة  وظائفه الحسية  والتي يكتسبها عن طريق عملية الإعصاب ( أي إمداده بالأعصاب) , حيث  يبدأ  الجلد عملية التمايز إلي طبقات خلال الأسبوع السابع بينما يحدث تمايز الغدد و الشعر بعد ذلك بأسابيع قليلة , أما الإحساس باللمس و الألم والحرارة , والتي تدل علي إمداد الجلد بالأعصاب , فيحدث بعد اليوم الثاني والأربعين.
ومن الأشياء التي أشار إليها الحديث أيضا  خلق اللحم والعظام بعد اليوم الثاني والأربعين , وهذا يتفق مع حقيقة تميز الهيكل العظمي الغضروفي في الجنين  مع  بداية الأسبوع السابع ( حوالي اليوم الثاني والأربعين  تقريبا ) , ثم تكون العضلات حول العظام في الأسبوع الثامن  , وتؤدي هذه  التغيرات إلي استقامة الجذع  واكتساب  الجهاز الهيكلي والعضلات أشكالها البشرية المميزة , و خلال  فترة ما بين الأسبوع السادس والسابع  , يستجيب  الجنين بكل جسمه عند طرق منطقة الشفة برفق , و فيما بعد , بين الأسبوع التاسع والعاشر ,  تظهر بعض الحركات التلقائية كإغماض العين نصف إغماضه أو كالقيام بعملية البلع.
وعن تحديد نوع الجنين ,  ينص الحديث علي أنه بعد نشأة  السمع والبصر واللحم والعظم والجلد , يطلب الملك من الله عز وجل الإذن له بتشكيل  الحميل إلي جنين ذكر أو أنثى , فيقضي الله ما شاء و يأذن للملك بهذا العمل , والأرجح في هذا الحديث أن الملك يسأل عن تشكيل نوع الحميل  الظاهري أي  شكل أعضاؤه التناسلية الخارجية , لأنه من الممكن عند هذه المرحلة من تكوين الجنين  أن  تتعارض  أعضاؤه التناسلية الخارجية  مع نوعه المحدد بصبغيات الجنس ,  ويؤيد هذا الرأي أنه في بعض الأحيان  تتطور الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل مغاير لنوع الجنس المحدد بالصبغيات الجنسية , بمعنى أن يكون الحميل حسب الصبغيات الجنسية ذكرا (XY) ولكن أعضاؤه التناسلية أنثوية أوالعكس بأن يكون الحميل حسب الصبغيات الجنسية أنثى (XX) وأعضاؤه الخارجية ذكرية , وتحدث هذه النشأة الشاذة إما بسبب وجود مستقبلات  معيبة لهرمونات الذكورة في الحميل المذكر (xy) تمنع إظهار تأثير الهرمونات الذكرية وبالتالي تكون أعضاؤه الخارجية أنثوية أو بسبب عدم وجود عامل مقاوم  لتأثير هرمونات الذكورة في الحميل الأنثى (xx) وبالتالي تكون أعضاؤه الخارجية شبه ذكرية…

ومن المعروف علميا أن الأعضاء التناسلية الخارجية تبدأ نشأتها أثناء الأسبوع الرابع أي  قبل اليوم الثاني والأربعين ,  حيث تكون البدايات الأولية لها متماثلة في كلا من الذكر والأنثى , ولا تتمايز الدرنة التناسلية  والانتفاخ الشفري الصفني إلي الشكل المميز للنوع حتى الأسبوع التاسع , ولكن لا يمكن تمييز الأعضاء التناسلية الخارجية بوضوح من حيث التذكير أو التأنيث إلا بعد الأسبوع الثاني عشر , وبناءا علي هذه المعلومات  يكون استخدام حرف العطف  ” ثم ” في الحديث السابق يدل علي   تأخر حدوث التفرقة في النوع بعض الوقت إلي ما بعد نشأة الأذنين و العينين والجلد والعظم واللحم ,  وهذا التأخر في ترتيب حدوث التمايز الجنسي الخارجي  يتطابق كما أوضحنا  مع ما توقيته  في علم الأجنة المعاصر , فمن علم سيدنا محمد  صلى  الله عليه وسلم كل هذا المعلومات ؟؟  ومن أخبره بهذه التفاصيل الدقيقة لنمو الجنين ؟؟  إنه الله سبحانه وتعالي و لا أحد سواه , قال تعالي  : ” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (  سورة الملك , 67 : آية 14)…

يمكنك متابعة التعليقات الخاصة بهذه التدوينة من خلال الخلاصات.