الاستشفاء بعسل النحل
إن العسل سر إلهي عظيم وضع الله فيه الشفاء و العافية للناس ولقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النحل بتصنيعه من رحيق الأزهار , قال تعالي : ” وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون* ثم كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لأية لقوم يتفكرون “( سورة النحل ,68 & 69 ) …
ولقد تنبه العلماء قديما وحديثا إلى فوائد عسل النحل , فكان أبو قراط أبو الأطباء يأكله مع كل وجباته و يستعين به في علاج كثير من الأمراض , و نصح به ابن سينا لإطالة العمر , و حفظ الذاكرة والقدرة على الكلام والعمل في سن متأخرة , أما الطبيب العربي ابن البيطار فيقول عنه أنه يشفى القوابى (الثعلبة) إذا طليت بالعسل المطبوخ مع الشبت الرطب الحديث , وانه إذا خلط بالملح و قطر في الأذن سكن ما فيها من ألم , وهو يصلح مضمضة و غرغرة لأورام و التهابات الحلق و اللثة و اللوزتين وهو مدر للبول , وإذا شرب بغير أن تنزع رغوته ينفع في تحريك السعال لطرد البلغم , وإذا نزعت رغوته أسهل البطن , وإذا عجن بالدقيق ووضع على الأورام المتقيحة فتحها وامتص ما فيها من قيح , أما الطبيب الشهير داود الأنطاكي فقد قال عن العسل أن أجوده الربيعي و الصيفي وأنه يزيل ضعف الشهية شربا و أنه إذا أذيب في الماء و شرب سكًن المغص و قطع العطش , كما ذكره ابن القيم في كتابه زاد المعاد و قال عنه أن فيه منافع كثيرة و عظيمة منها أنه جلاء للأوساخ التي في العروق و الأمعاء و غيرها, مغذ و ملين للطبيعة , و منق للكبد و الصدر , وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر , وإن إستاك بيض الأسنان وصقلها , و يفتح أفواه العروق , و يدر الطمث , و يحفظ جثث الموتى ويسمى الحافظ الأمين …
كما شاع أيضا في وقتنا المعاصر استعمال عسل النحل في علاج العديد من الأمراض و مازال العسل يخضع للعديد من التجارب والأبحاث في هذا المجال , ولقد أثبت العسل نجاحا كبيرا في علاج مرضى الكبد الحاد و المزمن والتهاب الحويصلة المرارية و كذلك فهو يخفف من الآلام و الحموضة و الميل إلى القيء في مرضى قرحة المعدة و الإثنى عشر, كما يفيد العسل في علاج التهابات الجفون و الملتحمة والقرنية , و يستخدم في علاج التوتر العصبي وأيضا التقلصات التي تطرأ على الجفون أو زوايا الفم و كذلك في ألم المفاصل , كما يفيد في علاج الأرق , و يعمل على زيادة المناعة ضد نزلات البرد و الأنفلونزا والسعال , وأوصت بعض المؤتمرات الطبية بإدخال العسل كغذاء لمرضى القلب حيث أنه مصدر سريع للطاقة ويمنح عضلة القلب أفضل العناصر لتغذيتها و كذلك فهو يزيد نسبة الهيموجلوبين في الدم , وفى مجال أمراض النساء استخدم العسل في علاج تسمم الحمل وفى أثناء النفاس و الرضاعة و أيضا في معالجة التبول اللاإرادي عند الأطفال , أما في مجال الجراحة فقد استخدم في علاج الجروح المتقيحة و البطيئة الالتئام و التهاب الجلد المزمن والخراريج وكذلك في علاج قرح الفراش وقرح الفم , ولقد أثبتت الدراسات أيضا أن النحل يقوم بإفراز مادة مكونة من أحد الأحماض الدهنية الغير مشبعة تعمل على منع نمو حبوب اللقاح و لهذه المادة القدرة على تعطيل نمو الخلايا السرطانية في الإنسان والحيوان , و بدراسة أسباب قدرة العسل على حفظ اللحوم و غيرها لمدد طويلة دون حدوث تحلل أو تعفن وجد أن لعسل النحل تأثيره القوى ضد الجراثيم و الفطريات نظرا لاحتوائه على مواد قاتلة لها تفرزها النحل الشغالة تشبه إلى حد كبير المضادات الحيوية…
ويجمع النحل رحيق الأزهار في كيس داخل البطن ثم تقوم الخمائر الموجودة في لعاب النحل بعمليات كيميائية عديدة لتحويل المحلول السكري للرحيق إلى العسل و تستمر هذه العمليات أثناء عملية تركيز العسل والتي تبدأ بإخراج النحلة لما في جوفها إلى عيون الخلية عن طريق الفم فيتبخر معظم ما به من ماء ويساعد على ذلك قيام شغالات النحل بالتهوية بأجنحتها على عيون الخلية لطرد بخار الماء الناتج فيقل تركيز الماء إلى حوالي 20% في العسل الناتج… ويحتوى العسل على نسبة عالية من المواد السكرية , تبلغ حوالي 75-80% , كما يحتوى على نسبة من أملاح بعض العناصر المعدنية وهى التي تحدد لون العسل فيصبح داكن اللون عند زيادتها , بالإضافة إلى نسبة من الفيتامينات الهامة و العديد من الخمائر و بعض حبوب اللقاح و أحماض عضوية وأمينية,كما يحتوى العسل أيضا على كميات قليلة من الدهون ونسبة من مواد أخرى غير معينة حتى الآن ,حوالي 3.7%.
ومن الهدى النبوي في العسل ما ورد في سنن ابن ماجه مرفوعا من حديث أبى هريرة : من لعق ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء …وهذا يدل على ان المواظبة على تناول العسل يحافظ على الصحة و يقي الجسم من الأمراض كما ورد عن ابن مسعود أنه قال ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : عليكم بالشفاءين :العسل و القرآن(أخرجه ابن ماجه و الحاكم مرفوعا و أخرجه ابن الجاشيبة والحاكم موقوفا ورجاله رجال الصحيح) , كما ورد في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : الشفاء في ثلاثة : شربة عسل , و شرطة محجم , وكية نار , و أنهى أمتي عن الكي , و بالرغم من أن الشفاء قد يكون في غير هذه الثلاثة , إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شربة العسل إحدى أصول العلاج …ولقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم لإستطلاق البطن أي كثرة خروج ما فيه ( الإسهال) حيث ورد في الصحيحين من حديث أبى المتوكل , عن أبى سعيد الخدرى , ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكى بطنه: وفى رواية : استطلق بطنه فقال:(اسقه عسلا) فذهب ثم رجع , فقال : قد سقيته , فلم يغن عنه شيئا . و في رواية لم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثة , كل ذلك يقول له (اسقه عسلا ) فقال له في الثالثة أو الرابعة : صدق الله وكذب بطن أخيك … قال الخطابي و غيره ان معنى كذب بطن أخيك أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه ..وقال ابن الجوزى عن قول النبي صلى الله عليه وسلم صدق الله أي في قوله تعالى : فيه شفاء للناس (سورة النحل :69) أنه حمل الآية على عمومها…فلما نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحكمة تلقاها الرجل بالقبول فبرأ بإذن الله …فإصرار النبي صلى الله عليه وسلم على تكرار شرب العسل يدل على تأكده من نفع الدواء وأن بقاء الداء ليس لقصور في الدواء نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة في البطن و أنه شرب مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ولهذا كان تكرار شرب العسل حتى وصل إلى القدر اللازم فبرأ بإذن الله …
ومن العلماء والمفسرون من حصر الاستشفاء بالعسل في أمراض معينة دون الأخرى ومن هذا قول القرطبي عن العسل أنه يشفى كما يشفى غيره من الأدوية في بعض الأمراض و على حال دون حال و أن آية ( فيه شفاء للناس) لا تقتضي العموم في كل علة وكل إنسان .. وأيضا ذكر ابن كثير انه لو قال المولى سبحانه فيه الشفاء للناس لكان العسل دواء لكل داء و لكن قال ( فيه شفاء للناس ) أي لكل أحد من أدواء باردة , فإنه حار و الشيء يداوى بضده .. إلا أن البعض يرى إطلاق الشفاء لعموم الناس و جميع الأمراض و ليس تخصيص لبعضها لأنه لو كان العسل يشفى من بعض الأمراض دون الأخرى لطلب النبي صلى الله عليه وسلم مناظرة المريض الذي استطلق بطنه ليتأكد من نوع المرض الموجود قبل أن يصف له العسل … ومما يؤكد مقدرة العسل على ذلك أن لفظ الشفاء جاء معرفا في الحديث الشريف السابق ذكره ” الشفاء في ثلاثة: شربة عسل ….” والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى .. . قال ابن بطال : إن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء .. ومن الأمراض التي أثارت الجدل في إمكانية الاستشفاء بالعسل مرض السكري بسبب حدوث نتائج سلبية عند استخدام العسل في بعض المرضى بالرغم من وجود نتائج أثبتت أن للعسل تأثير حسن في سير المرض حيث وجد أن نسبة السكر في الدم تنخفض مع تناول العسل , وربما يعود هذا التعارض الوهمي , كما أوضح المتخصصون في علم البيئة , إلى تغيير فطرة تغذية النحل , فالعسل الذي فيه شفاء للناس هو ذلك النوع الذي تكون حسب الفطرة السليمة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في النحل لتكوينه ولم يتدخل الإنسان بإحداث تغيير في هذه الفطرة ومثل هذا النوع يحتوى على مادة تشبه هرمون الأنسولين الذي يخفض نسبة السكر , ولذلك يجب الحذر عند تناول مريض السكر للعسل و تحديد الكمية المسموح بها تحت الإشراف الطبي…