وصف المضغة
استخدم القرآن الكريم عند وصف تكوين الجنين , مصطلح المضغة , للتعبير عن المرحلة التي تلي العلقة مباشرة , قال تعالي : “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ….” (سورة الحج , 22 : آية 5 ) , ” ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ..” ( سورة المؤمنون , 23 : آية 14 )
المضغة في اللغة مشتقة من مضغ أي لاك (الشيء الذي لاكته الأسنان) , أو القطعة من اللحم , ومضغ الأمور تعني صغارها , كما أوضح بعض مفسري القرآن أن المضغة هي حجم قطعة اللحم , لا شكل فيها ولا تخطيط , قدر ما يمضغ الماضغ , ولقد استخدم القرآن حرف العطف الفاء , في دلالة علي سرعة تحول الجنين من العلقة إلي المضغة , فإذا كان طور العلقة ينتهي حوالي اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين تقريبا كما أوضحنا في وصف العلقة , فإن المضغة تبدأ اعتبارا من اليوم السادس و العشرين أو السابع و العشرين , ويتغير مظهر كليا إلي مظهر جديد , و لابد أن يكون مصطلح المضغة معبرا عن هذا التغير في المظهر الخارجي وأيضا عن المميزات الداخلية الرئيسية للجنين , ولكي نثبت دقة الوصف القرآني للجنين نعود إلي وصف علم الأجنة المعاصر للجنين عند ذلك الوقت …
يتوافق وقت المضغة , في علم الأجنة المعاصر مع عدة مراحل من مراحل كارينجي ( من 10 إلي 17 تقريبا ), فعند بداية المضغة والتي توافق تقريبا مرحلة كارينجي 10 , يكون القرص الجنيني مستقيما نوعا ما بعد إتمام الانثناء الجانبي , وطوله من 2 إلي 3.5 ملليمتر وأهم مميزاته الخارجية , زيادة عدد الجسيدات أو الكتل الجسدية فتصبح (من 4 إلي 12 ) ويبدأ غلق التجويف العصبي (neural groove) وتكون الأنبوبة العصبية (neural tube) , كما يبدأ ظهور أول قوسين من الأقواس البلعومية (pharyngeal pouches) …
وفي منتصف فترة المضغة , والتي توافق تقريبا مرحلة كارينجي 13 , عند اليوم الثاني والثلاثين تقريبا , يكون الجنين مقوسا ( مثل حرف C باللغة الإنجليزية ) , وطوله من 4 إلي 6 ملليمتر , ويتميز بظهور أكثر 30 جسيدة مع وجود ذيل في مؤخرته , مع تكون أربع أقواس بلعومية وبراعم الطرف العلوي والسفلي , ويمكن تميز الفم البدائي (الأولي) , كما يغطي الجنين أول طبقة سطحية رقيقة من الجلد ..
أما عند نهاية مدة المضغة , في ختام الأسبوع السادس تقريبا والذي يوفق تقريبا مرحلة كارينجي 17 , يظل الجنين مقوسا , ولكن الجذع أكثر استقامة من السابق , ويزداد محيط الرأس من 10 إلي 13 ملليمتر , ويضمر ذيل الجنين , كما تظهر بدايات الأصابع في مسطحات اليدين والقدمين , وبالرغم من تكوين عدسة العين الأولية والحفرة الأنفية وفتحة صيوان الأذن الخارجي والغضاريف المحيطة به , نجد أن الجنين لا يحمل أي ملامح بشرية مميزة …
و بفحص صور الجنين خلال الفترة من اليوم السادس و العشرين إلي اليوم الثاني والأربعين (عند نهاية المضغة في ختام الأسبوع السادس) , سنجد أن استعمال كلمة مضغة يعبر بشكل بليغ ومعجز عن الجنين في هذه الفترة , ولتوضيح بلاغة القرآن في استعمال كلمة المضغة علي أساس علمي , نقول : أولا : يزداد طوله من 2.5 إلي 3 ملليمتر في بداية المرحلة حتى يصل إلي 10 إلي 13 ملليمتر في نهايتها , ثانيا : يتغير المظهر الخارجي باستمرار من استقامة نسبية إلي تقوس واضح , وأخيرا استعادة استقامة الجذع , كما تكون جسيدات واضحة جدا في بداية المرحلة , ثم تقل في الوضوح مع ظهور الطبقة الأولية من الجلد , ثم تبدأ براعم الأطراف العلوية وتظهر مسطحات اليدين بينما يظل الطرفين السفليين مثل المجاديف , وتضح الرأس وتظهر بدايات العينين والأنف والأذنين ويبدأ تكون الوجه , وبناءا علي هذا الوصف , نجد أنه في كتلة صغيرة يتراوح طولها 10من 13 ملليمتر و لا تبدو عليها أي ملامح بشرية ولا يتميز منها أعضاء واضحة , توجد كل مكونات جسم الجنين وأعضائه بصورة مصغرة ويكون بعضها في مراحل التكوين الأولي وأخرى تكون مجرد براعم أولية …
وبمقارنة الوصف السابق للمضغة في علم الأجنة , مع معاني كلمة مضغة في اللغة وعند المفسرين , نجد أن حجم الجنين يصل إلي أقل من 1.5سنتيمتر قرب نهاية المضغة , وهذا تقريبا يعادل قدر ما يمضغ الماضغ , ومن حيث الشكل الخارجي , يسبب وجود الجسيدات أو الكتل الجسدية خلال بداية المرحلة في أن يكون الجنين في الشكل مثل قطعة ممضوغة من العلك (اللبان)والتي تحمل أثر طبع الأسنان عليها , وهذا يطابق معنى الشيء الذي لاكته الأسنان …
وأما من حيث تركيبه الداخلي , نجد أنه عبارة عن كتلة مقوسة من خلايا الجنين أثناء تمايزها إلي سائر أعضاء الجسم من قلب و كبد وغيرها ولكنها لا تحتوي علي عظام ( لأن العظام لم تتكون بعد ), ومن الواضح أن هذا الوصف يوافق معنى قطعة من اللحم بلا شكل مميز , حيث لا يمكن أن يبدو علي الجنين خلال هذا الوقت أي ملامح بشرية مميزة ..
ونظرا لأن كل مكونات جسم الجنين وأعضائه تكون موجودة بصورة مصغرة ويكون بعضها في مراحل التكوين الأولي وأخرى تكون مجرد براعم أولية, يكون الوصف القرآني : “ ثــُمَّ مِن مــُّـضْغَةٍ مـُّخـلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخـلّقَةٍ..”(سورة الحج , 22 : آية 5 ) , بالغ الدقة والإعجاز لأنه يوضح كل خصائص الجنين في هذه الفترة الخارجية والداخلية , و باعتبار أن من معاني كلمة مضغة صغائر الأمور , يمكننا بشكل مجازي اعتبار أن المضغة تدل علي وجود سائر أعضاء وأجهزة الجسم بشكل مصغر في كتلة صغيرة من اللحم والتي تحتوي علي كائن بشري في أصغر حجم …