|
غيض الأرحام
ورد ذكر الغيض في القرآن الكريم في
آيتين , الأولي :
" اللّهُ يَعْلَمُ مَا
تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ
عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" (
سورة الرعد , 13 : آية 8 ) , والثانية : "
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء
وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ" ( سورة
هود, 11 : آية 44) ,
و
الغيض في اللغة
يعني قل ونقص, أو غار
فذهب, أو قل ونضب,
أو نزل في الأرض وغاب فيها , وعند تفسير القرآن بالقرآن , يكون معنى الغيض في آية
سورة الرعد يفسر بالغيض الوارد في آية سورة هود والتي يعنى الغيض
فيها : الغياب
والذهاب والنضوب , ولقد دار تفسير العلماء
لغيض الأرحام حول
معنيين : الدم الذي ينزل على المرأة الحامل, والثاني : السقط أو
السقط الناقص أو ما
تفسده الأرحام فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض.
الغيض عند جمهور علماء اللغة والتفسير هو الجنين الذي سقط من بطن أمه قبل
اكتمال خلقه, أو هو
الجنين الذي يهلك
في الرحم؛ ويتحلل ويغور وتختفي آثاره منها, ويصدق عليه أن الرحم تبتلعه كما تبتلع
الأرض الماء , وبعض علماء عرفت الغيض بأنه الدماء التي
تراها الحامل في
حملها , ولكننا نجد أن هذا الرأي يصب في بوتقة السقط , ويعتبر تعريفا له بأحد
لوازمه, فالدماء
هي الشيء الملازم
غالبا والمصاحب للسقط , وبهذا يكون التفسير القائل : بأن الغيض
هو السقط هو الرأي
الصواب...
في علم الأجنة المعاصر , يطلق مصطلح الإسقاط التلقائي (Spontaneous abortion)
على كل
حالة يسقط فيها
الحمل تلقائيا قبل الأسبوع العشرين من عمره , أو عندما يكون وزن
الجنين أقل من 500
جم , ومعظم حالات الإسقاط التلقائي تحدث خلال الأسابيع الثمانية
الأولى من الحمل ,
ولذلك يسمى الإسقاط التلقائي المبكر
(Early Spontaneous abortion), وهو غالباً يحدث بدون دراية من الأم بالحمل, والغالب أن كل امرأة
تتأخر لديها
الدورة الشهرية مدة
أسبوع أو أسبوعين أو تأتي لها الدورة بغزارة غير طبيعية تعتبر
في حالة إسقاط
تلقائي مبكر, وهو يكون علي صورتين إما بالسقوط خارج الرحم أو بالتحلل والاختفاء
تماما من داخله...
فقد لا يسقط محصول الحمل بعد موت الجنين
تلقائيًّا, بل يبقى
لفترة طويلة داخل الرحم ويسمى الإجهاض المخفي
(Missed abortion)؛
ويتغير فيه حجم الرحم فيأخذ في الصغر والجمود ـ نظرا لامتصاص السائل
الأمنيوسي وحدوث تهتك في
الجنين ـ والنسبة الغالبة من هذا الإجهاض المخفي مآلها إلى
الإسقاط التلقائي,
لكن في بعض الحالات يغور ويختفي الجنين تمامًا من حويصلة الحمل , ولكن لماذا تسقط
بعض الأجنة بعد موتها ولماذا لا يسقط بعضها الآخر؟ فلا توجد إجابة معروفة لهذا
السؤال في المراجع الطبية .. , وعلي ذلك فإن الإسقاط التلقائي المبكر في علم الأجنة
بصورتيه متوافقا تماما مع أقوال علماء اللغة والتفسير في تعريفهم
لغيض الأرحام...
ومما يؤكد أن الغيض هو السقوط المبكر , أن الآية الكريمة ذكرت الزيادة بعد
الغيض في قوله تعالي : وما تغيض الأرحام وما تزداد , ومعروف علميا أنه خلال
الأسابيع الثمانية الأولى
من عمر الجنين لا
يزداد الرحم عن حجمه الطبيعي زيادة ملحوظة تذكر؛ وأن التغييرات
التي تطرأ عليه هي
تبدلات وظيفية في أنسجته, وتحدث تحت تأثير هرمونات الحمل, لكن
الازدياد الحقيقي
للرحم يبدأ بعد مرحلة التخليق في بداية الأسبوع التاسع؛ وهو
المتعلق بنمو
الجنين, ويستمر إلى نهاية الحمل, و عليه فلا يكون
الغيض المطابق
للازدياد في الآية الكريمة إلا في مرحلة التخليق (الأسابيع الثمانية
الأولى) , كما أن
الأجنة لا تغور ولا تنضب إلا
في مرحلة التخليق :
حيث وجد أن الأجنة الهالكة لا تغيب آثارها وتختفي من داخل الرحم
إلا في خلال مرحلة
التخليق.. أما عندما يموت الجنين في الأشهر
الثلاثة التالية؛
فلا يندثر ويغيب من الرحم , وبما أن الغيض يراد به السقط الملفوظ من الرحم , أو
المتحلل الذي غار
ونضب فيه, لذا فلا يمكن أن يكون الغيض مرادا به مطلق السقط في أي
فترة زمنية, ولكنه
السقط الحادث في مرحلة التخليق فقط , أي السقط المبكر ...
والفترة الزمنية التي يمكن أن يكون الإسقاط التلقائي
فيها معبرا عن الغيض
المذكور في القرآن والسنة , تقع في مرحلة التخليق ؛ وتبدأ من
تكون النطفة
الأمشاج, مرورا بطوري العلقة والمضغة, حتى وقت نفخ الروح في الجنين,
والدليل: سؤال الملك الموكل
بالرحم ربه؛ عن مستقبل
ومصير كل طور من أطوار الجنين الأولى والتي تقع في زمن التخليق, هل ستتخلق أم لا؟
- روى
البخاري ومسلم
بسنديهما عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه
وسلم – قال: «وكل
الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟
فإذا أراد الله أن
يقضي خلقها, قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب
كذلك في بطن أمه , وفحوى أسئلة الملك عندما يرى نطفتي الرجل
والمرأة متقاربتين؛
يا رب أيحدث التلقيح وتتكون النطفة الأمشاج وتغرس في جدار الرحم أم تسقط؟
وهل ستتخلق بعد ذلك إلى
العلقة ـ وما فيها
من مجموعات الخلايا الأساسية لأعضاء الجسم ـ أم تهلك
وتسقط؟
إن دلالة غيض الأرحام على الإسقاط التلقائي المبكر بصورتيه: غور الأجنة
وإسقاطها, وما
يصاحبه من نقصان ونضوب لبرك السوائل والدماء المحيطة بالأجنة, لهو
إعجاز علمي واضح,
سبق به القرآن الكريم علم الأجنة بقرون, فالعرب رغم أنهم يعرفون
معنى لفظ الغيض لغة
إلا أنهم لم ينطقوا بجملة غيض الأرحام أبدا قبل نزول القرآن
الكريم. ولقد اتضح
الآن بعد تقدم علم الأجنة دقة لفظ الغيض, ودلالته الشاملة لكل الأحداث التي تمر
بها الأجنة الهالكة في مرحلة
التخليق؛ فبعضها
تسقطه الأرحام, ويمكن أن يشاهد وتدرك آثاره, والبعض الآخر يتلاشى
ويختفي ولا تدرك
آثاره ؛ ويصدق عليها أن الأرحام قد ابتلعتها كما ابتلعت الأرض
الماء...
( المصدر : بحث
د. عبد
الجواد
الصاوي "الإعجاز
العلمي للقرآن والسنة في دلالة غيض الأرحام"
)
طباعة الصفحة
إغلاق الصفحة
|