|
وصف الإنشاء الآخر
بنهاية
الأسبوع الثامن للحمل
وبداية الأسبوع التاسع , تبدأ مرحلة جديدة من نمو الجنين تتميز بالنمو
السريع و التغيرات الهائلة , فتظهر الصفات البشرية علي الجنين الناشئ
ويتم كساء العظام
بالعضلات والجلد
من الخارج ، وتكون كل الأعضاء قد استقرت في
صورتها النهائية و
بدأ بعضها في أداء وظيفته
,
ولقد وصف القرآن هذه المرحلة في قوله تعالي : "
ثم أنشأناه خلقا آخر..."
( سورة
المؤمنون , 23 : آية 14 )...
إن كلمة
إنشاء في اللغة العربية مشتقة من فعل نشأ , ولها عدة معان منها : " يبدأ" ,
لأنها تصف بداية الأعضاء والأجهزة المختلفة في أداء وظائفها, والمعني الثاني هو " نما" وهو يشير إلي النمو
السريع والتطور الشامل الذي تمر به الأعضاء والأجهزة خلال هذه الفترة , أما المعني
الثالث , فهو " ارتفع ، ربا" وهو يصف الزيادة السريعة و الواضحة في حجم و وزن
الحميل ...
وعلميا
, تعادل
مرحلة الإنشاء
في القرآن مرحلة الحميل والتي تكون في بداية الأسبوع التاسع و تستمر حتى نهاية الحمل ، وبالرغم من ذلك , لا
تنطبق المعاني المذكورة أعلاه لمعنى
كلمة أنشأناه
بشكل تام إلا بعد بلوغ الأسبوع الثاني عشر ,
ولقد ورد حرف العطف ( ثم )
قبل ( أنشأناه ) في الآية ليفيد أن مرحلة الإنشاء تأتي
بالتدريج بعد مرحلة الكساء باللحم
(أي متأخرة عنها بعض الشيء) ,
و هذا يطابق علم الأجنة لأن الفترة من
بداية الأسبوع التاسع إلي نهاية الأسبوع الحادي عشر تتميز بنمو بطيء نوعا ما,
ثم يبدأ النمو بشكل أسرع عند
الأسبوع الثاني عشر
والذي يعبر عنه القرآن بالإنشاء إلي خلق آخر , كما نجد أيضا أن بعض أعضاء أجهزة
الجسم تبدأ نشأتها بعد الأسبوع الثامن , أي بعد مرحلة اللحم , ولكن لا تبدأ التغيرات في هذه الأعضاء
في الوضوح إلا بعد الأسبوع الحادي عشر .
وعلميا يمكن تلخيص خصائص
هذه مرحلة النشأة الأخرى بما يلي :
1.تطور الأعضاء والأجهزة :
تتميز هذه المرحلة بتهيئة الأعضاء والأجهزة المختلفة
للقيام بوظائفها وهذا هو المعنى الذي أشار إليه مفسرو القرآن : أنه يصبح مخلوق
ناطق يسمع و يرى ويعتبر نهاية طور كساء العظام باللحم علامة نمو مميزة تحدد بداية
هذه المرحلة .
2. نفخ الروح في
الحميل :
بالرغم
من عدم وجود نص محدد يشير إلي وقت نفخ الروح في الجنين إلا أن نصوص
القرآن والسنة
تشير أن الروح تكتسب خلال هذه المرحلة , وهذا
يدل علي أن حياة الجنين قبل هذه المرحلة تكون ذات
طبيعة أخرى , و لقد اعتبر علماء المسلمين أن الجنين قبل مرحلة الإنشاء يشبه حياة
النباتات نظرا لأنها حية و لكن بلا روح
... إن وقت اكتساب الروح لم تحدده دراسات علم الأجنة ,
وكذلك فإن إدراك طبيعة الروح يعتبر بوجه عام خارج نطاق العلم التجريبي و غير معروف
للبشر حتى هذه الوقت , و كما يقول الله تعالي في القرآن :
" و يسألونك عن
الروح , قل الروح من أمر ربي , وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"( سورة الإسراء ,
آية : 85 )... و مع ذلك
, فمن المعروف أنه يوجد اختلاف بين الحياة والروح , بالرغم من غموض المعرفة
المحددة عنهما, فوجود روح يدل علي الوعي الذاتي , ومن جهة أخري , فالحوين المنوي
و البييضة حية مثل حياة النبات التي أشار إليها مفسرو القرآن , وبدون هذه الحياة
لا يمكنهما المشاركة في عملية الإخصاب.
3.التعديلات في
مقاييس الجسم ، واكتساب الصورة الشخصية :

تحدث هذه العمليات كما هو مذكور في النص القرآني :
"الذي خلقك فسواك فعدلك ,
في أي صورة ما شاء ركبك
" ( سورة الانفطار , 82 :
آيتا 7& 8 ) , فكلمة "
سواك " المذكورة في الآية تعني جعله مستويا ومستقيما ومهيئا لأداء وظائفه ، و
هذه المرحلة يشار إليها بالتسوية ( صيغة المصدر للفعل سوي وهي تعني جعله مستقيما
) وهي تبدأ في مرحلة العظام , أما كلمة "عدلك" في النص فالمعني من خلال سياق النص
يفيد تعديل الشكل والهيئة لخلق شيء محدد , و حرف العطف (ف)
الذي يسبق الفعل "عدلك" فهو يشير إلى التتابع السريع , ولذلك يكون
المعنى " ثم عدل هيئتك بسرعة " لأن "عدلك" تحدد معني الآية الثانية , فخلال
هذا الوقت , تتغير مقاييس الجسم بحيث يكون , في نهاية فترة الحمل (38 أسبوع )
و بالمقارنة بالأسبوع التاسع ، حجم الرأس قد أصبح صغيرا نسبيا مقارنة بالجسم
وتكتسب ملامح الوجه النسب البشرية , فتنتقل الأذن من الرقبة إلى الرأس ، وتتحرك
العينان إلى مقدمة الوجه ، ويصبح الطرفان السفليان أطول نسبيا مقارنة بالجسم, و هذه
المرحلة يشار إليها بالتعديل (صيغة المصدر من فعل عدل و هي تعني التقويم ,
أما كلمة "صور" في الآية الثانية فهي تعني إعطاء المظهر أو الشكل , وفي هذه المرحلة
يكتسب الحميل
مظهره الخاص به أو ما يسمى بالتصوير الفردي , ولذلك فالنص القرآني يعني أنه بعد
عملية التسوية مباشرة , تبدأ عملية تعديل أجزاء الحميل إلي النسب البشرية , ثم
يكتسب الجنين صورته الشخصية أي التصوير , و تستمر عمليتا التعديل والتصوير حتى
الولادة وبعدها.
4. تحديد الجنس :
لقد
ورد في القرآن والسنة
ثلاث خطوات تمر بها نشأة الصفات الجنسية (التذكير والتأنيث)
:
-
الخطوة
الأولى في مرحلة النطفة وهي التحديد الوراثي أو الجيني
-
الخطوة الثانية تحدث خلال
مرحلة الكساء باللحم وهي تمايز غدتي التناسل إلي خصيتين أو مبيضين
-
الخطوة
الثالثة فتحدث خلال مرحلة الإنشاء و فيها تتمايز الأعضاء التناسلية الخارجية
أي
أن تمايز الأعضاء الجنسية الخارجية يكون في مرحلة
الإنشاء الآخر , و كما
أشار الحديث الذي رواه حذيفة
رضى الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :" إذا مر بالنطفة ثنتان
وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها , وخلق سمعها وبصرها , وجلدها , ولحمها ,
وعظامها , ثم قال يا رب أذكر أم أنثي؟ فيقضي ربك ما شاء , ويكتب الملك " ( صحيح
مسلم : كتاب القدر)
, و هذا
الحديث ينص علي أنه بعد نشأة السمع والبصر واللحم والعظم والجلد , يطلب الملك من
الله عز وجل الإذن له بتشكيل محصول الحمل إلي جنين ذكر أو أنثى , فيقضي الله ما شاء
و يأذن للملك بهذا العمل
..

ومن
المعروف علميا أن الأعضاء التناسلية الخارجية تكون متماثلة في الشكل حتى
الأسبوع التاسع , و بالرغم من خلقها فلا يمكن التمييز بينها بوضوح من حيث التذكير
أو التأنيث إلا بعد الأسبوع الثاني عشر , و يحدث هذا التميز بسبب تطور نشأة
الأعضاء التناسلية الخارجية لتحدد نهائيا جنس الحميل , وهذه العملية تتم خلال
الأسبوع الثاني عشر , ولذلك فإنه من الصعب تحديد جنس الحميل قبل الأسبوع الثاني
عشر , و استخدام حرف العطف " ثم " في الحديث السابق يشير إلي تأخر حدوث نشأة
الأعضاء التناسلية الخارجية إلي ما بعد نشأة الأذنين و العينين والجلد والعظم
واللحم , وهذا التأخر في الترتيب يتطابق مع ما أظهرته دراسات علم الأجنة
...
وبالرغم من أن التطورات اللاحقة للغدد التناسلية و الأعضاء الجنسية قد حددت بوجه
عام بالصبغيات الجنسية , إلا أنه في بعض الأحيان تتطور الأعضاء التناسلية
الخارجية بشكل مغاير لنوع الجنس الجيني, وتحدث هذه النشأة الشاذة بسبب غياب عامل
يقاوم تأثير هرمونات الذكورة في الجنين الأنثى
(xx) ,
أو بسبب وجود عيب في مستقبلات هرمونات الذكورة في الجنين المذكر (xy)
يمنع إظهار تأثيرها , ولهذا السبب, فعلي الأرجح أن الحديث يذكر أن الملك يسأل فيما
يتعلق بجنس الحميل الظاهري , لأن هذه المرحلة من التأنيث والتذكير من الممكن أن
تتعارض مع المراحل السابقة و التي حددتها الصبغيات
الجنسية .
طباعة الصفحة
إغلاق الصفحة
|