|
وصف تكوين العظام
أشار القرآن الكريم إلي وقت تكوين العظام في الجنين بأنه الطور الذي يلي
المضغة مباشرة , قال
تعالي :
" فخلقنا المضغة عظاما ..."
, ومن خلال هذا النص القرآني نستنتج أن المضغة ينشأ بها
عناصر هيكلية ,
وأنها تنتشر مع التغيرات التي تحدث
في المضغة
حتى تتحول المضغة إلي مرحلة العظام , واستخدام القرآن لحرف العطف (فاء) في الآية القرآنية
-
فخلقنا
المضغة عظاما-
يدل علي نشأة العظام بعد
مرحلة المضغة بدون تأخير
...
ومن
الحقائق العلمية المعروفة أن العظام
لا تنشأ في كل الجسم في وقت واحد ،
ولكن يوجد تتابع في ظهور النسيج العظمي ,
و
يعتبر
الأسبوع السابع هو
المرحلة الأساسية لتكوين
العظام , حيث يبدأ فيه
انتشار الهيكل العظمي الناشئ , ويتم تكوين العظام بطريقتين
:
إما داخل
الغضاريف ( intra-cartilaginous
or endochondral )
أو داخل الأغشية (intra-membranous)
,
و في كلا
النوعين ، يسبق تكوين العظام تجمع لخلايا النسيج الأوسط ( أو النسيج الجنيني الضام)
..
في العظام
التي تتكون داخل الأغشية (كعظام الفك السفلي والفك العلوي) , تتكاثف خلايا النسيج
الوسط مكونة تكدس خلوي كثيف ثم تتمايز هذه الخلايا إلي خلايا بانية للعظام ,
والتي تفرز حول نفسها مادة عضوية غنية بمادة غروية (الكولاجين) تسمي بالمادة
البين- خلوية للعظام "
bone matrix"
و بمجرد إفراز هذه المادة بين خلايا العظام, تتحول الخلايا البانية للعظام إلي
خلايا عظمية , ثم تتكون العظام بعد ذلك عن طريق ترسيب الأملاح المعدنية ( خاصة
الكالسيوم) في هذه المادة العضوية البين- خلوية للعظام .
أما العظام
التي تتكون داخل الغضاريف , فتنشأ بطريق مشابهة لما سبق إلا أن خلايا
النسيج الأوسط المتكثفة تتميز أولاً إلي خلايا بانية للغضروف تفرز حول نفسها مادة
عضوية بين- خلوية للغضروف "
cartilage matrix" , أي يتكون نموذج ابتدائي للعظام من الغضروف ثم يتحول الغضروف إلي عظم , و
يحيط النموذج الغضروفي للعظام طبقة من نسيج ضام يسمي سمحاق الغضروف (أو سمحاق
العظام بعد تحول الغضروف إلي عظام) يعمل كمستودع للخلايا الأم التي تنتج منها
الخلايا البانية للغضروف أو الخلايا البانية للعظام عند نمو هذه الأنسجة, وبالرغم
من أن الخلايا السلف للعضلات وللعظام تكون متجاورة مع بعضها البعض (كما في
الجسيدات ) , إلا أن تاريخهما
يبدأ في الاختلاف بمجرد بداية نزوح (هجرة ) الخلايا إلى أماكن مختلفة في الجنين .

وتنتج
عظام الجسم الطويلة من النسيج الأوسط الجنيني, حيث تتكاثف خلايا هذا النسيج في
الأطراف وتتجمع علي شكل كتلة من خلايا النسيج الأوسط مكدسة بكثافة في
المنطقة التي ستتكون فيها العظام فيما بعد , ثم تبدأ عملية تكوين الأنسجة من هذه
الكتلة حيث تتمايز فيها خلايا النسيج الأوسط إلي خلايا بانية للغضروف , وتقوم هذه
الخلايا بدورها بإفراز مادة عضوية حولها وهي المادة الغضروفية البين- خلوية , و
تؤدي عملية تكوين الغضروف ( التغضرف) إلي ظهور نموذج غضروفي بنفس شكل العظام التي
ستتكون , وهذا يعطي الجنين هيكلا أوليا من الغضروف و يكسبه مظهرا بشريا , ومن
النسج الضام لسمحاق الغضروف تتمايز الخلايا مكونة طوقا عظميا حول ساق النموذج
الغضروفي, وينتج عن ذلك انقطاع الأوعية التي تمد الغضروف فيتوقف انتشار المواد
الغذائية إليه فيصاب بالنخر (وهو موت الأنسجة بسبب انقطاع الإمداد الدموي لها) و
تموت الخلايا الغضروفية , ويعقب ذلك غزو من خلايا نسيج ضام و من عناصر وعائية من
النسيج الضام المجاور, ثم تتمايز بعض هذه الخلايا الغازية إلي خلايا بانية للعظام و
التي تفرز حول نفسها من جديد المادة البين- خلوية للعظام و تتحول إلي خلايا عظمية
داخل العظام الجديد الناشئ ( الذي كان نموذجا غضروفيا قبل ذلك).
وكما ذكرنا فمرحلة المضغة تمكث حتى الأسبوع السادس تقريبا , و
العظام يبدأ ظهورها مع بداية الأسبوع السابع عندما تبدأ نشأة الهيكل الغضروفي ,
وهذه الحقائق تتطابق مع الحديث الذي رواه حذيفة , رضي الله عنه
,
أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
" إذا مر بالنطفة
ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها , وخلق سمعها وبصرها , وجلدها ,
ولحمها , وعظامها , ثم قال يا رب أذكر أم أنثي؟ فيقضي ربك ما شاء
, ويكتب الملك
" ( صحيح مسلم : كتاب القدر)
,
ففي الجزء المبكر من مرحلة العظام يكتسب الجنين المظهر البشري , والحديث يصف ذلك
التحول بالتعبير صورها ( أي صور النطفة إلي الشكل البشري) , و قبل اليوم الثاني
والأربعين يكون من الصعب التفريق بين الجنين البشري و أجنة الأجناس الأخرى ,
أما بعده فيمكن تمييز الجنين البشري بوضوح من حيث المظهر , كما تبدأ أيضا بعض
الخلايا الشاملة في الجنين في التمايز إلي اتجاهات متنوعة وفي التحور
إلي أجزاء وظيفية مختلفة , و هذه العملية تؤدي إلي استقامة تقوس الجنين و تكوين
الأعضاء الضرورية التي تجعله قادرا
علي الحياة , و يصبح سطح الجسم أكثر استواء ,
و
يكتسب الجنين شكلا أكثر استقامة , و القرآن يصف ذلك في قوله
تعالي :
" الذي خلقك فسواك فعدلك"( سورة الانفطار,82 : آية 7
)...
طباعة الصفحة
إغلاق الصفحة
|